الآلوسي

88

تفسير الآلوسي

الدال على عدم التعيين وهو صفة أخرى لبشر وتأخيره مع إفراده عن الصفة الأولى مع كونها شبه الجملة للتنبيه على أن كلا من الجنسية والوحدة مما يمنع الاتباع ولو قدم عليها لفات هذا التنبيه ، وقرأ أبو السمال فيما ذكر الهذلي في كتابه الكامل . وأبو عمرو الداني - أبشر منا واحد - برفعهما على أن - بشر - مبتدأ ، وما بعد صفته ، وقوله تعالى : * ( نَّتَّبعُهُ ) * خبره . ونقل ابن خالويه . وصاحب اللوامح . وابن عطية عن أبي السمال رفع - بشر - ونصب * ( واحداً ) * وخرج ذلك ابن عطية على أن رفع - بشر - إما على إضمار فعل مبني للمفعول والتقدير أينبأ بشر ، وإما على الابتداء والخبر جملة * ( نتبعه ) * ، ونصب * ( واحداً ) * على الحال إما من ضمير النصب في * ( نتبعه ) * . وإما من الضمير المستقر في * ( منا ) * وخرج صاحب اللوامح نصب * ( واحداً ) * على هذا أيضاً ، وأما رفع بشر فخرجه على الابتداء وإضمار الخبر أي أبشر منا يبعث إلينا أو يرسل أو نحوهما ، وتقدم الاستفهام يرجح تقدير فعل يرفع به * ( إنا إذاً ) * أي إذا اتبعنا بشراً منا واحداً * ( لَّفي ضَلَال ) * عظيم عن الحق * ( وَسُعُر ) * أي نيران جمع سعير . وروي أن صالحاً عليه السلام كان يقول لهم : إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وسعر فعكسوا عليه لغاية عتوّهم فقالوا : إن اتبعناك كنا إذاً كما تقول ، فالكلام من باب التعكيس والقول بالموجب ، وجمع السعير باعتبار الدركات ، أو للمبالغة ، وروي عن ابن عباس ما يحتمل ما قلنا فإنه قال : أي لفي بعد عن الحق وعذاب ، وفي رواية أخرى عنه تفسير السعر بالجنون على أنه اسم مفرد بمعنى ذلك يقال ناقة مسعورة إذا كانت تفرط في سيرها كأنها مجنونة قال الشاعر : كأن بها ( سعراً ) إذا العيس هزها * ذميل وإرخاء من السير متعب والأول أوجه وأفصح . * ( أَءُلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ) * . * ( أءُلْقَى الذِّكْرُ عَلَيْه من بَيْننَا ) * أي أأنزل عليه الوحي من بيننا وفينا من هو أحس منه بذلك ، والتعبير بألقي دون أنزل قيل : لأنه يتضمن العجلة في الفعل * ( بَلْ هُوَ كَذَّاب اشرٌ ) * أي شديد البطر وهو على ما قال الراغب : دهش يعتري من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها ووضعها إلى غير وجهها ، ويقاربه الطرب وهو خفة أكثر ما تعتري من الفرح ، ومرادهم ليس الأمر كذلك بل هو كذا وكذا حمله شدّة بطره وطلبه التعظيم علينا على ادعاء ذلك ، وقرأ قتادة . وأبو قلابة - بل هو الكذب الأشر - بلام التعريف فيهما وبفتح الشين وشدّ الراء ، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً ما في ذلك ، وقوله تعالى : * ( سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الْكَذَّابُ الاَْشِرُ ) * . * ( سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّن الْكَذَّابُ الأشرُ ) * حكاية لما قاله سبحانه وتعالى بصالح عليه السلام وعداً له ووعيداً لقومه ، والسين لتقريب مضمون الجملة وتأكيده ، والمراد بالغد وقت نزول العذاب الدنيوي بهم ، وقيل : يوم القيامة فهو لمطلق الزمان المستقبل وعبر به لتقريبه ، وعليه قول الطرماح : ألا عللاني قبل نوح النوائح * وقبل اضطراب النفس بين الجوانح وقبل ( غد ) يا لهف نفسي على غد * إذا راح أصحابي ولست برائح أي * ( سيعلمون ) * البتة عن قريب * ( من الكذاب الأشر ) * الذي حمله أشره وبطره على ما حمله أصالح أم من كذبه ، والمراد سيعلمون أنهم هم الكذابون الأشرون لكن أورد ذلك مورد الإبهام إيماءاً إلى أنه مما لا يكاد يخفي ، ونحوه قول الشاعر :